محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يعرف به ، ويبهت من يراه ، وتقف الأشعار عند ذكره قال أيوب : إن أكن غويا فعلي غواي ، وإن أكن بريا فأي منعة عندي ؟ إن صرخت فمن ذا الذي يصرخني ؟ وإن سكت فمن ذا الذي ينذرني ؟ ذهب رجائي ، وانقضت أحلامي ، وتنكرت لي معارفي ؛ دعوت غلامي فلم يجبني ، وتضرعت لأمتي فلم ترحمني ، وقع علي البلاء فرفضوني ، أنتم كنتم أشد علي من مصيبتي . انظروا وابهتوا من العجائب التي في جسدي أما سمعتم بما أصابني وما شغلكم عني ما رأيتم بي ؟ لو كان عبد يخاصم ربه ، رجوت أن أتغلب عند الحكم ، ولكن لي ربا جبارا تعالى فوق سماواته ، وألقاني هاهنا ، وهنت عليه ، لا هو عذرني بعذري ، ولا هو أدناني فأخاصم عن نفسي . يسمعني ولا أسمعه ويراني ولا أراه ، وهو محيط بي ، ولو تجلى لي لذابت كليتاي ، وصعق روحي ، ولو نفسني فأتكلم بملء فمي ونزع الهيبة مني ، علمت بأي ذنب عذبني نودي فقيل : يا أيوب قال : لبيك قال : أنا هذا قد دنوت منك ، فقم فاشدد إزارك ، وقم مقام جبار ، فإنه لا ينبغي لي أن يخاصمني إلا جبار مثلي ، ولا ينبغي أن يخاصمني إلا من يجعل الزنار في فم الأسد ، والسخال في فم العنقاء ، واللحم في فم التنين ، ويكيل مكيالا من النور ، ويزن مثقالا من الريح ، ويصر صرة من الشمس ، ويرد أمس لغد . لقد منتك نفسك أمرا ما يبلغ بمثل قوتك ، ولو كنت إذ منتك نفسك ذلك ودعتك إليه ، تذكرت أي مرام رام بك ؛ أردت أن تخاصمني بفيك ، أم أردت أن تحاجيني بخطابك ، أم أردت أن تكاثرني بضعفك ؟ أين كنت مني يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها ؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها ؟ أم كنت معي تمر بأطرافها ؟ أم تعلم ما بعد زواياها ؟ أم على أي شيء وضعت أكنافها ؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض ، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء ؟ أين كنت مني يوم رفعت السماء سقفا في الهواء لا بعلائق ثبتت من فوقها ولا يحملها دعائم من تحتها هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها ، أو تسير نجومها ، أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها ؟ أين كنت مني يوم سجرت البحار وأنبعت الأنهار ؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها ، أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدتها ؟ أين أنت مني يوم صببت الماء على التراب . ونصبت شوامخ الجبال ؟ هل لك من ذراع تطيق حملها ؟ أم هل تدري كم من مثقال فيها ؟ أم أين الماء الذي أنزل من السماء ؟ هل تدري أم تلده أو أب يولده ؟ أحكمتك أحصت القطر وقسمت الأرزاق ، أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه الماء ؟ هل تدري ما أصوات الرعود ؟ أم من أي شيء لهب البروق ؟ هل رأيت عمق البحور ؟ أم هل تدري ما بعد الهواء ؟ أم هل خزنت أرواح الأموات ؟ أم هل تدري أين خزانة الثلج ، أو أين خزائن البرد ، أم أين جبال البرد ؟ أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار وأين خزانة النهار بالليل وأين طريق النور ، وبأي لغة تتكلم الأشجار ، وأين خزانة الريح ، كيف تحبسه الأغلاق ، ومن جعل العقول في أجواف الرجال ، ومن شق الأسماع والأبصار ، ومن ذلت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم أرزاق الدواب بحكمته ؟ ومن قسم للأسد أرزاقها وعرف الطير معايشها وعطفها على أفراخها ؟ من أعتق الوحش من الخدمة ، وجعل مساكنها البرية